الإعراب والبناء
الإعراب والبناء
    |         |         |    

الإعراب والبناء:

   إذا انتظمت الكلماتُ فى الجملة، فمنها ما يتغير آخره باختلاف مركزه فيها لاختلاف العوامل التيّ تسبِقه؛ ومنها لا يتغير آخره، وإن اختلفت العوامل التى تتقدّمه. فالأول يُسمى (مُعرباً)، والثاني (مَبنياً)، والتغيُّر بالعامل يُسمى (إعراباً)، وعدمُ التغيُّر بالعامل يُسمى (بناءً)... فالإعرابُ: أثرٌ يُحدِثُه العامل فى آخر الكلمة، فيكونُ آخرها مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً أو مجزوماً، حسب ما يَقتضيه ذلك العامل... والبناءُ: لزوم آخرِ الكلمة حالةً واحدة، وإن اختلفت العواملُ التي تسبِقها، فلا تُؤثر فيها العوامل المختلفة.
المعرب والمعني:
   المُعربُ: ما يَتغير آخره بتغيُّر العوامل التي تَسبِقه: كالسماءِ والأرض والرجل ويكتب.... والمُعربات هي الفعل المضارع الذي لم تتصل به نونا التوكيدِ ولا نون النسوة، وجميع الأسماء إلا قليلا منها.

   والمبنيَّ: ما يُلزم آخره حالةً واحدةً، فلا يتغير، وإن تغيرت العوامل التى تتقدَّمه: "كهذه وأين ومَنْ وكتبَ واكتُبْ".... والمَبنيَّات هي جميع الحروف، والماضي والأمر دائماً، والمُتَّصلة به إحدى نونَيِ التوكيد أو نونُ النسوة، وبعض الأَسماءِ.

   والأصل فى الحروف والأفعالِ البناء. والأصل فى الأسماء الإعراب.


أنواع البناء:
   المبنيّ إما أن يلازم آخره السكون، مثل "اكتبْ ولمْ" أو الضمةَ مثل: "حيث وكتبوا" أو الفتحةَ، مثل: "كتبَ وأينَ" أو الكسرةَ، مثل: "هؤُلاءِ" والباء من "بِسمِ الله". وحينئذ يقال: إِنّه مبنيٌ على السكون، أو على الضمّ، أو الفتح، أو الكسر. فأنواع البناء أربعةُ: السكونُ والضمّ والفتح والكسر.... وتتوقفُ معرفةُ ما تُبنى عليه الأصماء والحروفُ على السّماع والنقل الصحيحين، فإنّ منها يُبْنى على الضمِّ، ومنها ما يُبْنى على الفتح؛ ومنها ما يُبْنى على الكسر، ومنها ما يُبْنى على السكون. ولكن ليس لمعرفة ذلك ضابطُ...
أنواع الإعراب:
   أنواع الاعراب أربعة: الرفع والنصب والجرّ والجزم.... فالفعلُ المعربُ يتغيرُ آخرُهُ بالرفع والنصب والجزم مثل، "يكتُبُ، ولن يكتبَ، ولم يكتبْ".... والاسمُ المعرب يتغير آخره بالرفع والنصب والجزم، مثل: "العلمُ نافعٌ، ورأيتُ العلمَ نافعاً، واشتغلتُ بالعلمِ النافعِ".
   (نعلم من ذلك أن الرفع والنصب يكونان فى الفعل والاسم المعربين، وان الجزم مختص بالفعل المعرب، والجر مختص بالاسم المعرب).


علامات الإعراب:
علامةُ الإعراب حركةُ أو حرف أو حذف..... فالحركاتُ ثلاثٌ: الضمةُ والفتحة والكسرة..... والأحرفُ أربعة: الألفُ والنون والواو والياءُ.... والحذفُ، إما قطعُ الحركةِ (ويُسَمّى السكونَ). وإما قطعُ الآخرِ. وإما قطعُ النونِ.

علامات الرفع:

   للرفع أربعُ علامات: الضمة والواو والألف والنون. والضمةُ هي الأَصل؛ مثالُ ذلك: "يحَبّ الصادقُ، أفلح المؤمنون. لِيُنفِق ذو سَعة من سَعتِه. يُكرَمُ التلميذان المجتهدان. تنطِقون بالصدق".

علامات النصب:
   للنصب خمسُ علامات: الفتحةُ والألفُ والياء والكسرة وحذفُ النون. والفتحةُ هي الأصل؛ مثالُ ذلك: "جانب الشرّ فَتسلَمَ. أعطِ ذا الحقِّ حَقّهُ. "يُحِبُّ اللهُ المتقين. كان أبو عبيدة عامرُ بنُ الجرّاح وخالد بنُ الوليد قائدينِ عظيمين. أَكرِم الفتَياتِ المجتهداتِ. لن تنالوا البِرَّ حتى تُنفقوا مما تُحبون".
علامات الجر:
   للجرّ ثلاثُ علامات: الكسرةُ والياءُ والفتحة. والكسرة هي الأصل؛ مثال ذلك: "تَمسّكْ بالفضائل، أطِع أمرَ أبيك. المرءُ بأصغرَيه: قلبهِ ولسانه. تقرّبْ من الصادقين وانأ عن الكاذبين. ليس فاعلُ الخيرَ بأفضلَ من الساعي فيه".
علامات الجزم:
   للجزمِ ثلاثُ علاماتِ: الكسونُ وحذفُ الآخرِ وحذف النون. والسكونُ هو الاصل؛ مثال ذلك: "مَنْ يفعلْ خيراً يَجِدْ خيراً، ومن يَزرَعْ شرًّا يَجنِ شرًّا. افعل الخيرَ تَلقَ الخيرَ. لا تَدعُ إلا اللهَ. قولوا خيراً تغنَموا، واسكتُوا عَن شرّ تَسلَموا".


المعرب بالحركة والمعرب بالحرف:
   المُعرَباتُ قسمان: قسمٌ يُعرب بالحركات، وقسمٌ يُعرَبُ بالحروف.
   فالمعربُ بالحركات أربعةُ أنواعٍ: الاسمُ المفرد، وجمع التكسيرِ، وجمعُ المؤنثِ السالمُ، والفعلُ المضارعُ الذى لم يتَّصِل بآخره شيءٌ.
   وكلها تُرفع بالضمةِ، وتُنصبُ بالفتحة، وتُجرّ بالكسرة، وتُجزم بالسكون. إلا الاسم الذي لا ينصرفُ، فانه يُجرُّ بالفتحة، نحو: "صلى اللهُ على إِبراهيمَ"، وجمعَ المؤنثِ السالم، فانه يُنصبُ بالكسرة؛ نحو: "أكرمتُ المجتهدات"، والفعل المضارع المعتلّ الآخرِ، فإنه يُجزمُ بحذف آخره، نحوَ: "لم يخشَ، ولم يمشِ، ولم يغزُ".

   والمعربُ بالحروف أربعةُ أنواعٍ ايضاً: المُثنى والملحقُ به، وجمعُ المذكر السالمُ والملحقُ به، والأسماء الخمسةُ، والأفعال الخمسةُ... والأسماء الخمسةُ هي: "أبو وأخو وحمُو وفو وذو".... والأفعالُ الخمسة هي: "كلّ فعل مضارع اتصل بآخره ضميرُ تثنية أو واوُ جمع، أو ياء المؤنثة المخاطبة، مثل: "يذهبان، وتذهبان، ويذهبون، وتذهبونَ، وتذهبين".


أقسام الاعراب
أقسامُ الاعراب ثلاثةٌ: لفظيٌ وتقديريٌّ ومحليٌ.
الاعراب اللفظي
   الاعرابُ اللفظيّ: أثرٌ ظاهرٌ فى آخر الكلمة يجلبه العامل، وهو يكون في الكلمات المعربة غير المُعتلّة الآخر، مثل: "يُكرم الأستاذث المجتهد".
الاعراب التقديري
   الاعرابُ التقديري: أثرٌ غيرُ ظاهرٍ على آخر الكلمة، يجلبه العاملُ، فتكونُ الحركةُ مقدَّرةً لأنها غير ملحوظةٍ، وهو يكونُ في الكلمات المعربة المعتلّة الآخر بالألف أو الواو أو الياء، وفي المضاف إلى ياء المتكلم، وفي المحكيُّ، إِن لم يكن جملة، وفيما يُسمى به من الكلمات المبنيَّة أو الجُمل.
اعراب المعتل الآخر
   الألف تُقدَّرُ عليها الحركاتُ الثلاث للتعذُّر، نحو: "يَهوَى الفتى الهدَى للعُلى"؛ أما في حالة الجزم فتُحذَفُ الألفُ للجازم، نحو: "لم نخشَ إلا اللهَ". ومعنى التعذرِ أنه لا يُستطاعُ أبداً إظهار علاماتِ الإعراب....

   والواوُ والياءُ تُقَدرُ عليهما الضمةُ والكسرةُ للثَّقَل، مثل: "يَقضي القاضي على الجاني" و "يدعو الداعي إلى النادي"؛ أما حالة النصب فإن الفتحة تظهرُ عليهما لخفتها، مثل: "لن أَعصِيَ القاضيَ" و "لَنْ أَدعوَ إلى غير الحق"، وأما في حالة الجزم فالواوُ والياءُ تحذفانِ بسبب الجازم؛ مثل: "لم أقضِ بغير الحق" و "لا تَدعُ إلا اللهَ".
   ومعنى الثقلِ أنّ ظهور الضمة والكسرة على الواو والياءِ ممكن فتقول: "يقضيُ القاضيُ على الجانيِ. يَدعوُ الداعيُ إلى الناديِ"، لكنّ ذلك ثقيل مُستبشَع، فلهذا تحذَفان وتقدّران، أي: تكونان ملحوظتين في الذهن.
إعراب المضاف الى ياء المتكلم
   يُعربُ الاسمُ المضاف إلى ياء المتكلم (إن لم يكن مقصوراً، أو منقوصاً، أو مُثنى، أو جمع مذكر سالماً) - في حالتي الرفع والنصب - بضمةٍ وفتحةٍ مقدَّرتين على آخره يمنع من ظهورهما كسرةُ المناسبة، مثل: "ربيَ اللهُ" و "أطعتُ ربي"، أما فى حالة الجر فيُعربُ بالكسرة الظاهرة على آخره، على الأصحّ، نحو: "لزِمتُ طاعةَ ربي".
   (هذا رأي جماعة من المحققين، منهم ابن مالك. والجمهور على انه معرب، في حالة الجر ايضاً، بكسرة مقدرة على آخره، لانهم يرون ان الكسرة الموجودة ليست علامة الجر، وانما هي الكسرة التي اقتضتها ياء المتكلم عند اتصالها بالاسم، وكسرة الجر مقدرة. ولا داعي الى هذا التكلف).
فإن كان المضاف إلى ياء المتكلم مقصوراً، فإنّ ألفه تبقى على حالها، ويُعرِبُ بحركاتٍ مقدَّرة على الألف، كما كان يعرب قبل اتصاله بياء المتكلم فتقولُ: "هذه عصايَ" و ""أمسكتُ عصايّ" و "توكأت على عصايَ".
وإن كان منقوصاً تُدغم ياؤُهُ في ياء المتكلم، ويُعرب في حالة النصب بفتحةٍ مُقدَّرة على يائه؛ يمنعُ من ظهورهما سكون الإدغام، فتقول: "حمِدتُ الله مُعطِيّ الرزقَ"، ويُعرَبُ فى حالتيِ الرفع والجرِّ بضمةٍ أو كسرةٍ مُقدَّرتين فى يائه، يمنعُ من ظهورهما الثقل أولا، وسكونُ الإدغام ثانيا، فتقول: "اللهُ معطِيّ الرزقَ" و "شكرت لِمُعطيَ الرزقَ".

   (ويرى بعض المحققين أن المانع من ظهر الضمة والكسرة على المنقوص المضاف الى ياء المتكلم، انما هو سكون الادغام - كما هو الحال وهو منصوب- قال الصبان في باب المضافالى ياء المتكلم عند قول الشارح: "هذا راميّ": "فراميّ: مرفوع" بضمة مقدرة على ما قبل ياء ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالسكون الواجب لاجل الادغام، لا الاستثقال - كما هو الحال في غير هذه الحالة - لعروض وجوب السكون في هذه الحالة بأقوى من الاستثقال، وهو الادغام).

   وإن كان مُثنى، تبقَ ألفهُ على حالها، مثل: هذان كتابايّ". وأَما ياؤُهُ فتُدغَمُ في ياء المتكلم، مثل: "علمتُ وَلديَّ".
   وإن كانَ جمعَ مذكر سالماً، تنقلب واوهُ ياء وتُدغمُ في ياء المتكلم، مثل: "معلميَّ يُحبّونَ أدبي" وأما ياؤُه فتُدغمُ في ياءِ المتكلم ايضاً، مثل: "أكرمتُ مُعلميَّ".
   ويُعرَبُ المثنى وجمعُ المذكر السالمُ - المضافان إلى ياء المتكلم - بالحروف، كما كانا يُعربان قبلَ الإضافة إليها، كما رأيت.
إعراب المحكي
   الحكايةُ: إيرادُ اللفظ على ما تسمعه؛ وهي، إما حكايةُ كلمةٍ، أو حكايةُ جملة. وكلاهما يُحكى على لفظه، إلاَّ أن يكون لحناً. فتتعيّنُ الحكايةُ بالمعنى، مع التنبيه على اللحن.... فحكايةُ الكلمة كأنْ يقالَ: "كتبتُ: يعلمُ"، أي: كتبتُ هذه الكلمةَ، فيعلمُ - في الأصل - فعلٌ مضارعٌ، مرفوعٌ لتجرُّده من الناصب والجازم، وهو هنا محكيٌّ، فيكونُ مفعولا به لكتبتُ، ويكون إعرابهُ تقديرياً منعَ من ظهوره حركةُ الحكاية.
   وإذا قلتَ: "كتبَ: فعلٌ ماضٍ" فكتبَ هنا محكيّة. وهي مبتدأ مرفوعٌ بضمةٍ مُقدَّرةٍ منعَ من ظهورها حركةُ الحكاية.
   وإذا قيلَ لك: أَعربْ "سعيداً" من قولك: "رأَيتُ سعيداً"، فتقولُ:" سعيداً: مفعولٌ به"، يحكي اللفظَ وتأتي به منصوباً، مع أَن "سعيداً" في كلامك واقعٌ مبتدأ، وخبرُه قوُلكَ: "مفعولٌ به"، إلاّ أنه مرفوعٌ بضمةٍ مُقدَّرةٍ على آخره، منعَ من ظهورها حركةُ الحكاية، أي حكايتُكَ اللفظَ الواقعَ في الكلام كما هو واقعٌ.
وقد يُحكى العَلَمُ بعدَ "من" الاستفهاميَّة، إِن لم يُسبَق بحرف عطف، كأن تقولَ: "رأَيتُ خالداً"، فيقول القائلُ: "منْ خالداً". فإن سبقهُ حرفُ عطف لم تجُزْ حكايتهُ، بل تقول: "ومنْ خالدٌ؟".
   وحكايةُ الجملة كأن تقولَ: قلتُ: "لا إِلهَ إلاّ اللهُ. سمعتُ: حيّ على الصلاة. قرأتُ: قُلْ هوَ اللهُ أَحدٌ. كتبتُ: استَقِمْ كما أُمِرْتَ". فهذه الجُمَلُ محكيّةٌ، ومحلُّها النصبُ بالفعل قبلها فإِعرابُها محليٌّ.... وحكمُ الجملة أن تكونَ مبنيةً، فإن سُلطَ عليها عاملٌ كان محلها الرفعَ أو النصبَ أو الجر على حسب العامل. وإلا كانت لا محل لها من الإعراب.
إعراب المسمى به
   إن سمّيتَ بكلمةٍ مَبنيّةٍ أَبقيتَها على حالها، وكان إعرابُها مُقدَّراً في الأحوال الثلاثة. فلو سميتَ رجلا "رُبّ"، أَو "مَنْ"، أَو "حيثُ"، قلتَ: "جاء رُبّ. أَكرمتُ حيث. أَحسنتُ إلى مَن". فحركاتُ الإعراب مُقدَّرة على أَواخرها، منع من ظهورها حركةُ البناء الأصلي..... وكذا إن سمّيتَ بجملة - كتأبطَ شراً، وجاد الحقّ - لم تُغيرها للاعرابِ الطَّازىءِ، فتقول: "جاء تأبطَ شراً، أَكرمتُ جادَ الحقُّ". ويكون الإعرابُ الطارئ مقدَّراً، منع ظهور حركته لحركة الإعراب الأصلي.
الاعراب المحلي
  الإعرابُ المحليُّ: تَغيّرٌ اعتباريٌّ بسبب العامل، فلا يكون ظاهراً ولا مقدَّراً؛ وهو يكون في الكلمات المبنيّة، مثل: "جاء هؤلاء التلاميذُ، أَكرمتُ من تعلّمَ. وأَحسنتُ إلى الذين اجتهدوا. لم يَنجحنَّ الكسلانُ".. ويكون أيضاً فى الجملِ المحكِّيةِ.


(فالمبني لا تظهر على آخره حركات الاعراب لأنه ثابت الآخر على حالة واحدة: فان وقع احد المبنيات موقع مرفوْع او منصوب أو مجرور او مجزوم، فيكون رفعه او نصبه او جره او جزمه اعتبارياً. ويسمى اعرابه "اعراباً محلياً" اي: باعتبار انه حال محل مرفوع او منصوب او مجرور او مجزوم. ويقال: انه مرفوع او منصوب او مجرور او مجزوم محلاً، اي: بالنظر إلى محله فى الجملة، بحيث لو حل محله معرب لكان مرفوعا او منصوبا او مجروراً او مجزوما).

والحروف؛ وفعلُ الامرِ، والفعلُ الماضي، الذي لم تسبِقهُ أَداةُ شرطٍ جازمةٌ، وأسماء الأفعال، وأسماء الأصوات، لا يتغير آخرها لفظاً ولا تقديراً ولا محلاً، لذلك يقال: إِنها لا محل لها من الإعراب.
أما المضارع المبني فإعرابُه محلي رفعاً ونصباً وجزماً، مثل "هل يكتُبَن ويكتبْنَ. والله لن يكتبَن ولن يكتُبْنَ ولم تكتُبَن ولم يكتبْن".
وأما الماضي المسبوقُ بأداةِ شرطٍ جازمةٍ، فهو مجزومٌ بها محلاً، مثل: "إن اجتهدَ عليٌ أَكرَمهُ معلمه".


جميع النصوص