‌مظاهر الوحي
‌مظاهر الوحي
    |         |         |    

‌مظاهر الوحي

الوحي في أي مرتبة من مراتبه أمر عظيم يقتضي من الإنسان أن يتجاوز حدود المادة وعالم الشهادة ليتصل بالملائكة وعالم الغيب، وذلك يقتضي من صاحبه استعدادا يهيئه الله تعالى في أولئك الأخيار الذين اصطفاهم من خلقه لهذه المنزلة، وكثيرا ما كان يحدث للنبي صلّى الله عليه وسلم مشقة شديدة في التلقي من الملك. قالت عائشة رضي الله عنها: إن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول». قالت عائشة رضي الله عنها: «ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا».
ومن آثار الوحي ومظاهره على النبي صلّى الله عليه وسلّم ما وردت به هذه الأحاديث:

الحديث الأول:
  أخرج البخاري أول صحيحه وغيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة وكان ممّا يحرك شفتيه، فقال ابن عباس فأنا أحركهما لك كما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يحركهما، وقال سعيد أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله عزّ وجلّ: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، قال جمعه لك صدرك وتقرأه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، قال فاستمع له وأنصت ثم إن علينا بيانه، ثم إن علينا أن تقرأه. فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلّى الله عليه وسلم كما كان قرأ».

الحديث الثاني:
  أنه صلّى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي سمع عند وجهه دويّ كدويّ النحل: عن عبد الرحمن بن عبد القارّيّ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل، فمكثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال:
«اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا، ثم قال: لقد أنزلت عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة»، ثم قرأ علينا: «قد أفلح المؤمنون ... حتى ختم العشر»، أخرجه أحمد والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

الحديث الثالث:
  أنه صلّى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي ثقل جسمه حتى يكاد يرضّ فخذه فخذ الجالس إلى جنبه. عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أملى عليه: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فجاءه ابن أمّ مكتوم وهو يملّها عليّ قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت.- وكان أعمى- فأنزل الله على رسوله صلّى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي، فثقلت عليّ حتى خفت أن ترضّ فخذي ثم سرّي عنه فأنزل الله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، أخرجه البخاري بلفظه وأحمد وأبو داود وغيرهم.

الحديث الرابع:
  أنه صلّى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي بركت به راحلته. عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن كان يوحى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو على راحلته فتضرب بجرانها» أخرجه أحمد. وعن عروة بن الزبير: أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها فما تستطيع أن تحرّك حتى يسرّى عنه. أخرجه ابن جرير، وهو مرسل، والجران باطن عنق الناقة.

وقد حضّ النبي صلّى الله عليه وسلم المسلم على أن يجعل ليوم الوحي اهتماما وتوجها خاصا إلى الله، بمجاهدة النفس والتصفية لها بصيام مستحب، تكميلا ومتابعة لمجاهدتها بالصيام المفروض في شهر رمضان حتى تصفو النفوس من أكدارها وتخلص القلوب وجهتها نحو بارئها سبحانه، وتقبل عليه بقوة وعزم، وعلى العالم بالمكارم والإصلاح ودعوة الخير الذي نزل به الوحي في ذلك اليوم، أخرج مسلم عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين فقال: «فيه ولدت، وفيه أنزل عليّ».


جميع النصوص