‌مراتب الوحي وكيفياته
‌مراتب الوحي وكيفياته
    |         |         |    

‌مراتب الوحي:
إذا ابتغينا التفصيل عن الوحي، وتساءلنا عن كيفياته وأحواله وآثاره فإن خير مرجع يحقق لنا تلك الأمنية هو صاحب الوحي نفسه، في نصوص القرآن الصريحة والأحاديث الصحيحة.
كما جاء في الحديث الصحيح: «أول ما بدئ به رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنّث فيه- وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لمثلها 1حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثالثة فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. فرجع بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم يرجف فؤاده.
فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زمّلوني زمّلوني، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرّوع. فقال لخديجة- وأخبرها الخبر-: لقد خشيت على نفسي. فقالت له: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى، ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب في الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلّى الله عليه وسلم خبر ما رأى.
فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أو مخرجيّ هم؟!» قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي».
قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: وهو يحدث عن فترة الوحي: فقال في حديثه: «بينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاء في حراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه فرجعت، فقلت: زمّلوني زمّلوني، فأنزل الله عز وجل: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ إلى قوله: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. فحمي الوحي وتواتر».


كيفيات الوحي:

وليست مراتب الوحي مقتصرة على هذين الحالين اللذين عرفناهما من الحديث،: الرؤيا والأخذ من الملك، بل إن له مراتب وكيفيات عدة ذكر القرآن الكريم أصولها في قوله تعالى: <<وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ>>.
وقد دلّت هذه الآية الجامعة على كيفيات الوحي وأنها ثلاث لا رابع لها، وسماها العلماء مراتب الوحي، وهي:

١ - أن يلقي الله ما يريد إلقاءه إلى النبي مباشرة بطريق خفي سريع دون واسطة.
٢ - أن يكلم الله النبي، من وراء حجاب تكليما.
٣ - أن يرسل الله الملك إلى النبي فيلقي إليه ما أمره الله تعالى به.
وقد بحث العلماء في هذه المراتب- ومرادهم كيفيات الوحي- واستقصوا أحوالها فيما ورد من وصف الوحي من الكتاب والسنّة، وأوصلوها إلى سبع مراتب ينقسم إليه الوحي ويقع بها، ومنهم من جعلها ثماني مراتب، وترجع كلها إلى المراتب الأساسية التي ذكرتها الآية، وتندرج في ضمنها ولا تتجاوز حدها، كما يتضح من هذا البيان الذي يشرحها:
‌المرتبة الأولى:
الرؤيا الصادقة، وذلك كما ورد في حديث عائشة: «أول ما بدئ به رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم»، والوحي في هذه المرتبة إما أن يكون بإلقاء الله أو بواسطة الملك فهو داخل في الآية لا يخرج عنها.
‌المرتبة الثانية:
أن يأتيه الملك فيلقي في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما أخرج الشهاب والحاكم عن ابن مسعود أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «إن روح القدس نفث في روعي: أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ... ».
‌المرتبة الثالثة:
أن يتمثّل له الملك رجلا فيخاطبه فيعي عنه ما يقول:
كما في الحديث المشهور من سؤال جبريل النبي صلّى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة. وهو متفق عليه.
‌المرتبة الرابعة:
أن يأتيه الملك على حاله الملكية ويوحي إليه، وفي هذه المرتبة يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس، وكان ذلك أشد الوحي عليه صلّى الله عليه وسلم.
‌المرتبة الخامسة:
أن يأتيه الملك جبريل ويظهر له في صورته الملكية العظيمة التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه. وهذا وقع له صلّى الله عليه وسلم مرتين: إحداهما في الأرض، والثانية: في السماء ليلة المعراج عند سدرة المنتهى، كما قال تعالى في سورة النجم: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى. ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى.
وهذه المراتب الأربعة التي بعد الأولى كلها صور لمرتبة واحدة لا تخرج عنها، ذكرها القرآن في قوله تعالى: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ.
‌المرتبة السادسة:
كلام الله تعالى للنبي من وراء حجاب، كما وقع للنبي صلّى الله عليه وسلم ليلة المعراج بعد أن استقرت فريضة الصلوات على الخمس فنودي: أحكمت فريضتي وخففت على عبادي، وكما وقع لموسى عليه السلام: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً.
‌المرتبة السابعة:
كلام الله تعالى للنبي وحيا بلا واسطة ملك ولا حجاب: كما أوحاه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ليلة المعراج وهو فوق السموات من فرض الصلوات ومضاعفة الحسنات الحسنة بعشر أمثالها، وغير ذلك، وهي مرتبة داخلة في قوله: أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أي إعلاما خفيا.
لكن بعضهم استشكل ما وردت به الأحاديث في هذه المرتبة وقال به أكثر العلماء أنه صلّى الله عليه وسلم رأى ربه عزّ وجلّ ليلة المعراج كيف يتفق مع قوله: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ وليس هاهنا حجاب؟ إلا أن هذا الإشكال في الحقيقة غير وارد هنا إذا ما علمنا أن الوحي الإلهي في هذه المرتبة لا يشبه خطاب الخلق، بل هو داخل في قوله إلا وحيا، لأن الوحي إعلام في خفاء، وقد أبان الإمام المفسر البيضاوي عن ذلك في تفسيره لهذه الآية وهو يفسر إِلَّا وَحْياً: «كلاما خفيا يدرك بسرعة، لأنه تمثيل، ليس في ذاته مركبا من حروف مقطعة يتوقف على تموجات متعاقبة»، فأزاح بذلك شبهة خروج هذه المرتبة عن حد الآية الكريمة.


نصوص ذات صلة

جميع النصوص