الإيمان وأركانه
الإيمان وأركانه
    |         |         |    

‌أركان الإيمان
قوله: (والإيمان: هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى) . ش: تقدم أن هذه الخصال هي أصول الدين، وبها أجاب النبي صلى الله عليه وسلم في «حديث جبريل المشهور المتفق على صحته، حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم على صورة رجل أعرابي، وسأله عن الإسلام؟ فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. وسأله عن الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر، خيره وشره. وسأله عن الإحسان؟ فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . وقد ثبت كذلك في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقرأ في ركعتي الفجر تارة بسورتي الإخلاص: {قل ياأيها الكافرون} [الكافرون: ١] و {قل هو الله أحد} [الإخلاص: ١] . وتارة بآيتي الإيمان والإسلام: التي في سورة البقرة: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا} [البقرة: ١٣٦] الآية [البقرة: ١٣٦] ، والتي في آل عمران: {قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [آل عمران: ٦٤] الآية [آل عمران: ٦٤] . وفسر صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث وفد عبد القيس، المتفق على صحته، حيث قال لهم: «آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم» .

ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانا بالله بدون إيمان القلب، لما قد أخبر في غير موضع أنه لا بد من إيمان القلب. فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان، وقد تقدم الكلام على هذا.


‌لا يثبت حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق
والكتاب والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق، وهذا أكثر من معنى الصلاة والزكاة، فإن تلك إنما فسرتها السنة، والإيمان بين معناه الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: ٢] . وقوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا}[الحجرات: ١٥] . وقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: ٦٥]
نفي الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد، لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب، الذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب. ولا يقال إن بين تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث جبريل وتفسيره إياه في حديث وفد عبد القيس معارضة، لأنه فسر الإيمان في حديث جبريل بعد تفسير الإسلام، فكان المعنى أنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر مع الأعمال التي ذكرها في تفسير الإسلام، كما أن الإحسان متضمن للإيمان الذي قدم تفسيره قبل ذكره. بخلاف حديث وفد عبد القيس، لأنه فسره ابتداء، لم يتقدم قبله تفسير الإسلام. ولكن هذا الجواب لا يتأتى على ما ذكره الشيخ رحمه الله من تفسير الإيمان، فحديث وفد عبد القيس مشكل عليه.
ومما يسأل عنه: أنه إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثر من الخصال الخمس التي أجاب بها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المذكور، فلم قال إن الإسلام هذه الخصال الخمس؟ وقد أجاب بعض الناس بأن هذه أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده.
والتحقيق: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدين الذي هو استسلام العبد لربه مطلقا، الذي يجب لله عبادة محضة على الأعيان، فيجب على كل من كان قادرا عليه، ليعبد الله بها مخلصا له الدين، وهذه هي الخمس، وما سوى ذلك فإنما يجب بأسباب ومصالح، فلا يعلم وجوبها جميع الناس، بل إما أن يكون فرضا على الكفاية كالجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما يتبع ذلك من إمارة، وحكم، وفتيا، وإقراء، وتحديث، وغير ذلك.
وإما أن يجب بسبب حق الآدميين، فيختص به من وجب له وعليه، وقد يسقط بإسقاطه، من قضاء الديون، ورد الأمانات والمغصوب، والإنصاف من المظالم، من الدماء والأموال والأعراض، وحقوق الزوجة والأولاد، وصلة الأرحام، ونحو ذلك، فإن الواجب من ذلك على زيد غير الواجب على عمرو. بخلاف صوم رمضان وحج البيت والصلوات الخمس والزكاة، فإن الزكاة وإن كانت حقا ماليا فإنها واجبة لله، والأصناف الثمانية مصارفها، ولهذا وجبت فيها النية، ولم يجز أن يفعلها الغير بلا إذنه، ولم تطلب من الكفار، وحقوق العباد لا يشترط لها النية، ولو أداها غيره عنه بغير إذنه برئت ذمته، ويطالب بها الكفار. وما يجب حقا لله تعالى، كالكفارات، هو بسبب من العبد، وفيها معنى العقوبة، ولهذا كان التكليف شرطا في الزكاة، فلا تجب على الصغير والمجنون عند أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى، على ما عرف في موضعه.


الإيمان بالقدر خيره وشره
وقوله: والقدر خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى - تقدم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل: وتؤمن بالقدر خيره وشره، وقال تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} [التوبة: ٥١] . وقال تعالى: {إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا - ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: ٧٨ - ٧٩] .
فإن قيل: فكيف الجمع بين قوله: كل من عند الله وبين قوله: {فمن نفسك} [النساء: ٧٩] ، قيل: قوله: {كل من عند الله} [النساء: ٧٨] : الخصب والجدب، والنصر والهزيمة، كلها من عند الله، وقوله: {فمن نفسك} [النساء: ٧٩] : أي: ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك، كما قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: ٣٠] . يدل على ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه قرأ: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: ٧٩] ، وأنا كتبتها عليك.
والمراد بالحسنة هنا النعمة، وبالسيئة البلية، في أصح الأقوال. وقد قيل: الحسنة الطاعة، والسيئة المعصية. وقيل: الحسنة ما أصابه يوم بدر، والسيئة ما أصابه يوم أحد. والقول الأول شامل لمعنى القول الثالث. والمعنى الثاني ليس مرادا دون الأول قطعا، ولكن لا منافاة بين أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه، مع أن الجميع مقدر، فإن المعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى، فتكون من سيئات الجزاء، مع أنها من سيئات العمل، والحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى، كما دل على ذلك الكتاب والسنة. وليس للقدرية أن يحتجوا بقوله تعالى: فمن نفسك، فإنهم يقولون: إن فعل العبد - حسنة كان أو سيئة - فهو منه لا من الله! والقرآن قد فرق بينهما، وهم لا يفرقون، ولأنه قال تعالى: كل من عند الله فجعل الحسنات من عند الله، كما جعل السيئات من عند الله، وهم لا يقولون بذلك في الأعمال، بل في الجزاء. وقوله بعد هذا: " {ما أصابك من حسنة} [النساء: ٧٩] " " ومن سيئة "، مثل قوله: " {وإن تصبهم حسنة} [النساء: ٧٨] " " {وإن تصبهم سيئة} [النساء: ٧٨] ".
وفرق سبحانه وتعالى بين الحسنات التي هي النعم، وبين السيئات التي هي المصائب، فجعل هذه من الله، وهذه من نفس الإنسان، لأن الحسنة مضافة إلى الله، إذ هو أحسن بها من كل وجه، فما من وجه من أوجهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه، وأما السيئة، فهو إنما يخلقها لحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه، فإن الرب لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وخير.


جميع النصوص