أقسام الفعل | نونا التوكيد مع الفعل
أقسام الفعل | نونا التوكيد مع الفعل
    |         |         |    

نونا التوكيد، إحداهما ثقيلةٌ مفتوحة، والأخرى خفيفةٌ ساكنة. وقد اجتمعتا في قوله تعالى: لَيُسجَنننَّ وَليكوناً من الصاغرين".
   (ويجوز أن تكتب النون المخففة بالألف مع التنوين كما في الآية الكريمة، (وهو مذهب الكوفيين): فان وقفتَ عليها وقفت بالألف. ويجوز أن تكتب النون، كما هو شائع، وهو مذهب البصريين).
ولا يُؤكدُ بهما إِلا فعلُ الأمرِ، والمضارع؛ فأمّا فعلُ الأمر، فيجوز توكيدُهُ مُطلقاً، مثل: "اجتهدَنَّ، وَتعلَّمَنَّ"، وأَما الماضي لا يجوز توكيدُهُ مطلقاً. وقال بعضُهم: إن كان ماضياً لفظاً، مُستقبلاً معنىً، فقد يُؤكدُ بهما على قلَّةٍ، ومنه الحديث: "فإما أدركنَّ أَحدٌ منكم الدَّجالَ"، فإنه على معنى: "فإما يُدرِ كنَّ". ومنه قول الشاعر:
*دَامَنَّ سَعْدُكِ، لو رَحِمْتِ مُتَيّماً * لولاكِ لم يَكُ للصَّبابَةِ جائحا*
لأنَّه على معنى "لِيدُومَنَّ" فهو في معنى الأمر، والأمر مستقبل.
   وأما المضارعُ فلا يجوز توكيدُه، إِلا أن يَقعَ بعد قَسَمٍ، أو أَداةٍ من أَدوات الطَّلبِ أو النفي أَو الجزاء، أَو بعد (ما) الزائدة، وتأكيدُه في هذه الأحوال جائز، إلا بعد القسم، فيجبُ تارة، ويمتنع تارة أُخرى.


تأكيد المضارع بالنون وجوباً


   يُؤكدُ المضارعُ بالنون وجوباً، إذا كان مُثبَتاً مستقبلا، واقعاً في جواب القسَمِ غيرَ مفصولٍ من لامِ الجواب بفاصل، كقوله تعالى: {تاللهِ لأكيدَنَّ أَصنامَكم}. وتوكيده بالنون، ولزوم اللام في الجواب - في مثل هذه الحال - واجبٌ لا مَعدِل عنهُ.
   وما ورد من ذلك غير مُؤكدٍ، فهو على تقدير حرف النفي. ومنه قوله تعالى : "تاللهِ تَفتأ تذكرُ يوسف" أَي: "لا تفتأ". وعلى هذا فمن قال: "والله أَفعلُ"، أثِمَ إن فَعَلَ، لأنَّ المعنى: واللهِ لا أَفعل" فإن أَراد الإثبات وجبَ أَن يقول: "واللهِ لافعلَنَّ". وحينئذٍ يأثَمُ إن لم يفعل.
التوكيد بها جوازاً
يُؤكدُ المضارعُ بالنون جوازاً في أربع حالات:
   (1) أن يَقعَ بعد أداةٍ من أدوات الطَّلب، وهي: "لامُ الأمر" مو "لا" الناهيةُ، وأَدوات الإستفهام والتَّمنّي والتّرجي والعَرْضِ والتّحضيض. وهذه أمثلتُها: "اجتهدنَّ. لا تَكسلَنَّ. هل تَفعلنَّ الخيرَ؟ ليتكَ تَجدنَّ. لَعلَّكَ تَفوزَنَّ. أَلا تَزروَنَّ المدارس الوطنية. هَلاَّ يرعوِنَّ الغاوي عن غَيّه".
   (2) أَن يقعَ شرطاً بعد أداة شرطٍ مصحوبة بِـ (ما) الزائدة.
فإن كانت الأداة "إِنْ" فتأكيدُه حينئذٍ قريبٌ من الواجب، حتى قال بعضهم بوجوبه. ولم يَرِد في القرآن الكريم غير مؤكد، كقوله تعالى: {فإِما يَنزَغنَّك من الشيطان نَزغٌ فاستعِذْ بالله}، وقوله: {فإمّا تَرَينَّ من البَشر أَحداً}. وَندَرَ استعْمالهُ غير مُؤكدٍ، كقول الشاعر:
*يا صاح، إِمَّا تَجِدْني غيرَ ذي جِدَةٍ * فما التَّخلِّي عن الإِخوانِ من شِيمي*
وإن كانت الأداةُ غير "إن" فتأكيدُه قليل، نحو: "حينما تكونَنَّ آتِكَ. متى تُسافِرَنَّ أُسافرْ".
وأقلُّ منه أن يقع جواب شرطٍ، أو بعد أَدتةٍ غيرِ مصحوبة بِـ (ما) الزائدة .. فالأول كقول الشاعر:
*ومَهْما تَشأْ منهُ فَزارةُ تُعْطِكمْ * ومَهْما تَشَأْ منهُ فَزارةُ تَمْنَعاً*
والآخرُ كقول الآخرُ:


*مَنْ نَثْقَفَنْ منهم فَلَيسَ بآيبٍ * أَبَداً. وقَتْلُ بَني قُتيبَةَ شافي*
   (3) أن يكون منفيًّا - بِـ (لا) - بشرطِ أن يكون جواباً للقسم - كقوله تعالى: {واتقوا فِتنةً لا تُصيبَنَّ الذين ظلموا منكم خاصةً}.
وأَقل منه أَن يكون منفيًّا بِـ (لم) كقول الشاعر، يَصفُ جبلاً عَمَّهُ الخِصبُ وحفَّهُ النبات.
* يَحسَبُهُ الجاهلُ - ما لَمْ يَعْلَما - شيخاً على كُرسِيِّهِ مُعَمَّما*
وإنما سَوَّغَ توكيدَ المنفيّ بِـ (لم) مع أَنه في معنى الماضي، والماضي لا يُؤكدُ بالنون - كونه منفيًّا، وأنه مضارع في اللفظ.
   (4) أن يقعَ بعد (ما) الزائدة، غير مسبوقةٍ بأداة شرط. ومنه: قولهم: "بِعينٍ ما أرَيَنَّك"، وقَولهم: بِجَهدٍ ما تَبْلُغنَّ!"، وقولهم: "بألمٍ ما تُخْتَنِنَّهُ"، ويروى أيضاً: تُخْتَتَنَّ" وقول الشاعر:
*إذا ماتَ منهُم مَيِّتٌ سُرِقَ ابنُه * ومِن عَضَةٍ ما يَنْبُتَنَّ شَكيرُها
امتناع توكيد المضارع بالنون
يمتنع تأكيدُ المضارع بالنون في أربع حالات:
   (1) أن يكون غيرَ مسبوقٍ بما يُجيزُ توكيدَه: كالقسم وأدوات الطلب والنفي والجزاء و (ما) الزائدةِ.
   (2) أن يكون منفيًّا وافعاً جواباً لقَسمٍ، نحو: "واللهِ لا أنقُضُ عهدَ امتي". ولا فرق بين أن يكون حرفُ النفي ملفوظاً - كهذه الأمثلة - وأن يكون مُقدَّراً، كقوله تعالى: {تاللهِ تفتأ تَذكُرُ يوسفَ}، أَي: "لا تفتأُ".
   (3) أن يكون للحال، نحو: "واللهِ لتذهبُ الآنَ"، ومنه قول الشاعر:
*يَميناً لأُبغِضُ كُلَّ امرئ * يُزَخرِفُ قولاً ولا يَفْعَل*
وقل الآخر:
*لئِنْ تَكُ قد ضاقتْ عليكمْ بُيوتُكمْ * ليعلمُ رَبِّي أَنَّ بيتَي واسعُ*
   (4) أن يكون مفصولا من لام جواب القسَم، كقوله تعالى:
{لئن مُتُّمْ، أو قُتِلْتُمْ لإِلى اللهِ تُحشرون} وقوله: {ولَسَوفَ يُعْطيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى}.


أحكام النون والفعل المؤكد بها


   (1) لا تَقعُ نون التوكيدِ الخفيفةُ بعد ضمير التَّثنية، فلا يقالُ: "واللهِ لَتذهباننْ" ولا بعد نونِ النسوة فلا يقال: "لا تَذهبننْ" أَما بعد واو الجماعة وياءِ المخاطبة فتقَعُ، نحو: "هل تذهبونَنْ؟ هل تذهبيَننْ؟" ونحو: "لا تذهبُنْ. اذهبُن. لا تذهِبنْ. إذهِبنْ.
   (2) إِذا وقعت النون المشدَّدة بعد ضمير التَّثنية، ثبتت الألفُ، وكُسِرت النونُ تشبيهاً لها بنون التثنية في الأسماء نحو: "اكتُبانِّ، لِيكتُبانِّ". فإن كان الفعل مضارعاً مرفوعاً، حُذفت نون الرفع أيضاً، كيلا تَتوالى ثلاثُ نونات، نحو: "هل تكتُبانِّ؟" والأصل: "تكتباننَّ".
(وإنما ثبتت الألف مع اجتماع ساكنين - هي النون الأولى من النون المشددة - سهولة النطق بالألف مع ساكن بعدها).
   (3) وإذا وقعت نونُ التوكيد بعد واوِ الجماعة - المضمومِ ما قبلها - أو ياء المخاطبة - المكسورِ ما قبلها - حُذفت واوُ الجماعة وياءُ المخاطبة، حَذَر التقاء الساكنين، وبقيتْ حركةُ ما قبلهما على حالها، نحو: "أَكتُبُنَّ، أَكتُبِنَّ. لِيكتُبُنَّ، - أَدْعُنَّ. ادْعِنَّ. لِيَدْعُنَّ - إِرْمُنَّ إِرْمِنَّ لِيَرْمُنَّ"، والأصلُ: "اكتُبونَّ. اكتُبينَّ. لِيكتُبونَّ - أدْعُونَّ، أُدْعِينَّ. لِيَدعُونَّ - إِرْمُونَّ. إِرْمِينَّ. لِيَرْمُونَّ".
   فإن كان الفعلُ مضارعاً مرفوعاً تُحذف نونُ الرفع أولاً، ثم تُحذفُ الواوُ والياءُ لاجتماع ساكنينِ بعد حذف النون، نحو: "هل تَذهبُنَّ، هل تَذهِبنَّ" والأصل: "تذهبونَنَّ تذهبينَنَّ". (حذفت نون الرفع كراهية اجتماع ثلاث نونات، فاجتمعت بعد حذفها ساكنان: واو الجماعة أو ياء المخاطبة والنون الأولى من النون المشددة، فحذفت الواو والياء حذر التقاء الساكنين).


   (4) إن كان ما قبلَ واو الجماعة وياء المخاطبة - المتّصلينِ بالنون - مفتوحاً، ثبتت الواوُ والياءُ، نحو: "هل نَخشَوُنَّ؟ اخشَوُنَّ؟ هل ترْضَيِنَّ؟ إِرْضِينَّ" غير أن واو الجماعة تضمُّ، وياءَ المخاطبة تكسر، ويبقى ما قبلهما على حالة من الفتح، كما رأيت. (وحق الواو والياء أن تكونا ساكنتين: وإنما حرّكت الواو بالضمة والياء بالكسرة تخلصاً من اجتماع ساكنين - وهما الواو أو الياء والنون الأولى من النون المشددة، واعلم أن النون المشددة حرفان أولهما ساكن. فان الحرف المشدد حرفان في اللفظ وان كان حرفاً واحداً في الخط).
   (5) إذا لَحِقت نون التوكيد آخر الفعل المُسندِ إلى ضميرٍ مستترٍ أو اسمٍ ظاهر، فُتح آخرُهُ، نحو: "هل تكتبَنَّ؟ لِيكتُبِنَّ زهيرٌ. أَكتبن" فإن كان مُعتلَّ الآخر بالألف قلَبتها ياءً، نحو: "هل تَسعَينَّ؟ إِسعينَّ".
   (6) إذا أَكدتَ بالنون الأمرَ المبنيّ على حذف آخره، والمضارعَ، المجزوم نحذف آخره، رَددتَ إليه آخرهُ - إن كان واواً أَو ياءً - مبنيًّا على الفتح، فتقول في "ادعُ ولا تدعُ وامشِ ولا تمش": "ادْعونّ. لا تَدْعُونّ - إمشيَنَّ. لا تمشينَّ". فإن كان المحذوفُ ألفاً قلبتها ياءً، فتقول في "اخش وليخش": "إخشينَّ، ليخشينَّ".
   (7) إذا ولي نون النَّسوة نون التوكيد المُشدَّدةُ، وجب الفصل بينهما بألف، كراهية اجتماع النونات، نحو: "يكتُبَنانِّ واكتُبْنانِّ". وحينئذٍ تُكسرُ نون التوكيد وجوباً، كما رأيت، تشبيهاً لها بالنون بعد ألف المثنى... أما النون المخفّفة فلا تَلحقُ نون النّسوة، كما تقدم.
   (8) النون المخفّفةُ ساكنةٌ كما علمت، فإن وَلِيها ساكنٌ حُذفت فراراً من اجتماع الساكنين، نحو: "أكرم الكريم". والأصلُ: "أكرِمَنْ". ومنه قول الشاعر:
*ولا تُهينَنَّ الفقيرَ، عَلَّكَ أنْ * تَرْكَعَ يوماً، والدَّهرُ قد رَفَعَه*
والأصل: "لا تَهينَنْ".
ويجوز قلبُها ألفاً عند الوقف، فتقول في اكتُبَنْ" - إذا وقفت عليه -: "اكتُباً". ومنه قول الشاعر:
*أقصِرْ، فَلَسْتَ بَمُقْصِرٍ، جُزْتَ الْمَدَى * وَبْلَغتَ حيثُ النَّجْمُ تَحْتَكَ، فارْبَعا*
وقول الآخر:
وإِيّاك والْمَيْتاتِ، لا تَقْرَبَنَّها * ولا تَعْبُدِ الشيطانَ: والله فاعبُدا


جميع النصوص