أقسام الفعل | أفعال المدح والذم
أقسام الفعل | أفعال المدح والذم
    |         |         |    

أفعال المدح هي: "نعْمَ وحبّ وحبّذا"، وأفعالُ الذمِّ هي: "بئس وساء ولا حبّذا".


   وهي أفعالٌ لإنشاءِ المدح أو الذم فجُملها إنشائيةٌ غير طلبية، لا خبرية، ولا بُدَّ لها من مخصوصٍ بالمدح أو الذم، (فإن قلت: "نعم الرجل خالد، وبئس الرجل فلان". فالمخصوص بالمدح هو (خالد)، والمخصوص بالذم هو (زيد)، وهي غير محتاجة إلى التصرف، للزومها أسلوباً واحداً في التعبير، لأنها تدل على الحدث المتطلب للزمان، حتى تحتاج إلى التصرف بحسب الازمنة. فمعنى المدح والذم لا يختلف باختلاف الزمان).


حبذا وحب ولا حبذا
حَبَّذا وحَبَّ: فعلان لإنشاءِ المدح.
   فأما "حبَّذا" فهي مُركبةٌ من "حَبَّ" و "ذا" الإشارية، نحو: "حبذا رجلاً خالدٌ".
   (فحبّ: فعل ماض، و "ذا" اسم اشارة فاعلة، ورجلا: تمييز لذا رافع ابهامه. وخالد: مبتدأ مرفوع مؤخر، خبره جملة "حبذا" مقدمة عليه). ولا يتقدم عليها المخصوصُ بالمدح، ولا التّمييزُ فلا يُقالُ: "خالدٌ حبّذا رجلا" ولا "رجلاً حبّذا خالدٌ"، أما تقديم التّمييز على المخصوص بالمدح فجائزٌ، كما رأيت، بل هو الأوَّل، ومنه قول الشاعر:
*أَلا حَبَّذا قوماً سُلَيْمٌ، فإِنهم * وفَوْا، وتَواصوْا بالإِعانةِ والصَّبْر*
ويجوزُ أن يكون بعدهُ، كقول الآخر:
*حَبَّذا الصَّبْرُ شِيمَةً لامرىءٍ رامَ - * مُباراةَ مُولَع بالْمَغاني*
  و (ذا) في "حبذا" تَلتزم الأفرادَ والتذكيرَ في جميع أحوالها، وإن كان المخصوصُ بخلاف ذلك. قال الشاعر:
*يا حَبَّذا جَبَلُ الرَّيّانِ من جَبَلٍ * وحَبَّذا ساكِنُ الرَّيّانِ، مَنْ كانا*
*وحَبَّذا نَفَحاتٌ من يَمانيَةٍ * تأتِيكَ من قِبَلِ الرَّيّانِ أَحيانا*
فذا: مفردٌ مذكر، والمخصوصُ - وهو "النَّفَحات" - جمعٌ مؤنث، وقال الآخر:
*حبَّذا أَنتُما خَلِيلَيَّ إِنْ لم * تعْذُلاني في دَمْعِيَ المُهراق*
فالمخصوص هنا مثنى، و "ذا" مفرد. وقال غيره: ألا حبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ، فذا: مذكر. وهذا: مؤنث.
وقد تدخلُ "لا" على "حبذا" فتكون مثلَ: "بِئسَ" في إفادة الذَّمِ كقول الشاعر:


*أَلا حَبَّذا عاذري في الهَوى * ولا حَبَّذا الجاهلُ العاذِل*
وقل الآخر:
*أَلا حَبَّذا أَهلُ الْمَلا، غيرَ أنَّهُ * إِذا ذُكرَتْ هِنْدٌ، فلا حَبَّذا هِيا*
   ولا يجوز أن تدخلَ على مخصوص "حبَّذا" نواسخُ المبتدأ والخبر، وهي: "كان وأخواتُها، وظنَّ وأخواتُها، وإنَّ وأخواتها"، فلا يقال "حبَّذا رجلاً كان خالدٌ" ولا "حبَّذا رجلاً ظننتُ سعيداً".
   ويجوز حذفُ مخصوصها إن عُلمَ: كأن تُسأل عن خالدٍ مثلا، فتقول: "حبَّذا رجلاً" أي: حبَّذا رجل هو، أي: خالدٌ. ومنه قول الشاعر:
*ألا حَبَّذا، لَوْلا الحَياءُ. ورُبَّما * مَنَحْتُ الهَوى ما لَيْسَ بِالمتَقارِبِ*
   وأما "حبَّ" ففاعله هو المخصوص بالمدح، نحو: "حبَّ زُهيرٌ رجلاً". وقد يُجرُّ بباءٍ زائدة، نحو: حبَّ به عاملا، ومنه قول الشاعر:
*فَقُلْتُ: اقتلوها عنكم بِمِزاجها * وحَبَّ بها مقتولةً حينَ تُقْتَلُ*
   وأصلُه: "حَبُبَ" بضم الباء، بمعنى: صار محبوباً، ولذا يجوز أن يقالَ فيه: "حُبَّ"، بضمِّ الحاءِ، بنقلِ حركةِ الباءِ إلى الحاءِ وهو كثيرٌ في الاستعمال.

 


نعم وبئس وساء
   نعم: فعلٌ لإنشاء المدح. وبِئس وساءَ: فِعلان لإنشاءِ الذَّم.
   (قال في المختار: "نعم: منقول من نعم فلان بفتح النون وكسر العين"؛ اذا اصاب النعمة. وبئس: "منقول من بئس، بفتح الباء وكسر الهمزة" اذا اصاب بؤساً فنقلا الى المدح والذم - فشابها الحروف، "فلم يتصرفا" اهـ واما (ساء) فهول منقول من (ساء يسوء سواء) بفتح السين في المصدر): ذا قبح. تقول: "ساء عمله، وساءت سيرته". ثم نقل إلى الذم، فلم تنصرف كما تنصرف (بئس)).


   وفي "نِعْمَ وبِئْسَ"، أربعُ لغاتٍ: "نِعْمَ وبِئْس" بكسر فسكونٍ - وهي أَفصحهُنَّ، وهي لغةُ القرآن الكريم. ثمَّ: "نِعِمَ وبِئسَ" - بكسر أوَّلهما وثانيهما -، غير أنَّ الغالبَ في "نِعِمَ" أن يجيء بعدهُ (ما)، كقوله تعالى:{نِعمّا يَعِظُكم به}. ثم "نَعْمَ وبأس بفتحٍ فسكونٍ - ثمَّ: "نِعْمَ وبَئِسَ"، - بفتحٍ فكسرٍ - وهي الأصلُ فيهما.
  ولا بُدَّ لهذه الأفعال من شيئين: فاعل ومخصوصٍ بالمدح أو الذم نحو: "نِعْمَ الرجلُ زُهَيرٌ". فالرجلُ هو الفاعلُ والمخصوصُ بالمدح هو زهيرٌ.


أحكام فاعل هذه الافعال
فاعلُ هذه الأفعالِ نوعانِ:
   الأوَّل: اسمٌ ظاهرٌ مُعرَّفٌ بأل الجِنسيَّةِ، التي تُفيد الاستغراق (أي: شُمولَ الجنس) حقيقةً، أو اسمٌ مُضافٌ إلى ما اقترنَ بها، أو مُضافٌ إلى اسمٍ أضيفَ إلى مُقترنٍ بها.
   فالأولُ نحوُ: "نِعْمَ التلميذُ زهيرٌ" و "بئسَ الشراب الخمرُ". والثاني، نحو: {وَلنِعْمَ دارُ المتَّقِينَ}، و {بِئسَ مثوى المُتكبِّرينَ}. والثالثُ، نحو: "نِعمَ حكيمُ شُعراءِ الجاهليةِ زهيرٌ"، ومنه قول الشاعر:
*فنِعْمَ ابنُ أُختِ الْقومِ، غَيرَ مُكذِّبٍ * زُهَيْرٌ، حُسامٌ مُفْرَدٌ من حمائِلِ*
(والحق أن (أل)، التي تسبق فاعل هذه الأفعال، للجنس على سبيل الاستغراق حقيقة، كما قدّمنا. فهي مفيدة للاحاطة والشمول حقيقة لا مجازاً، فيكون الجنس كله ممدوحاً أو مذموماً، والمخصوص مندرج تحت الجنس، فيشمله المدح أو الذم. فاذا قلت: "نعم الرجل زهير" فالمدح قد وقع أولا على جنس الرجل كله على سبيل الشمول حقيقة. ثم على سبل المخصوص بالمدح، وهو زهير، فيكون المخصوص قد مدح مرتين: مرة مع غيره، لدخوله في عموم الجنس، لأنه فرد من افراد ذلك الجنس، ومرة على سبيل التخصيص، لأنه قد خص بالذكر، ولذلك يسمى المخصوص.


   والغرض من جعلها للاستغراق والشمول على سبيل الحقيقة هو المبالغة في اثبات المدح للمدوح "الذم للمذموم، بجعلك المدح والذم للجنس، الذي هو المخصوص فرد منه. ثم يأتي المخصوص مبيناً المدار من الاجمال في مدح الجنس على سبيل الحقيقة.
ولك أن تجعل (أل) هذه للاستغراق لا على سبيل الحقيقة. بل على سبيل المجاز. مدعياً أن هذا المخصوص هو جميع الجنس لجمعه ما تفرَّق في غيره من الكمالات أو النقائص فان قلت: "نعم الرجل زهير"، فقد جعلت زهيراً هو جميع الجنس مبالغة، لاستغراقه جميع كمالاته، ولم تقصد من ذلك الا مدحه. ونظير ذلك أن تقول: "أنت الرجل"، أي اجتمعت فيك كل صفات الرجال).
   وقد يقومُ الاسمُ الموصولُ، إذا اريدَ به الجنسُ لا العَهدُ مَقام المُعرَّف بألِّ الجنسيَّةِ، فيكون فاعلا لهذه الأفعال، كما تكون هي، نحو: "نِعْم الذي يفعلُ الخيرَ زهيرٌ" و "بِئسَ من يخون أمتهُ فُلانٌ".
   (فإن الاسم الموصول، إذا لم يرد به العهد، بل أريد به العموم، أشبه المقترن بأل الجنسية فيصحُ أن تسند إليه هذه الأفعال، كما تسند إلى المقترن بأل الجنسية).
   الثاني: أن يكون فاعلُها ضميراً مستتراً مُفَسّراً بنكرةٍ منصوبة على التَّمييز، واجبةِ التأخير عن الفعل والتقديمِ على الممدوح أو المذموْم، مطابقةٍ لهما إفراداً وتَثنيةً وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً. ويأتي بعد ذلك المخصوص بالمدح أو الذَّم مرفوعاً على الابتداء، والجملةُ قبلَه خبرُهُ، نحو: "نِعْمَ رجلاً زهيرٌ".
والتمييزُ هنا مُحَموَّلٌ عن فاعلٍ مُقترنٍ بِـ (ألْ)، لذا يجوز تحويلُه إلى فاعلٍ مُقترنٍ بها، فتقول: "نعم الرجلُ زهيرٌ".


   وقد تكون النكرةُ كلمة (ما) - التي هي اسمٌ نكرة بمعنى "شيء" - فتكون فى موضع نصبٍ معلى التمييز، على ما اختارَهُ المُحققون من النُّحاة. وهو أقربُ الأقوال فيها. سَواءٌ أتُليتْ باسمٍ، نحو: "نِعمَّا التَّقوى، ومنه قولُه تعالى: {إن تبدوا الصَّدقاتِ فَنعما هي}، أم تُليت بجملةٍ فعليَّةٍ، كقوله تعالى: {نِعِمًّا يَعظُكم به}" أم لم تُتْلى بشيءٍ نحو: "أكرمته إكراماً".
   ومتى كان فاعلها ضميراً وجبَ فيه ثلاثةُ أشياء:
الأول والثاني: إفرادُه وأستتارُه، كما رأيت: فلا يجوز إبرازُه في تثنيةٍ ولا جمع، استغناءً عنه بتثنية تمييزه أو جمعه، سواءٌ أتأخرَ المخصوصُ أم تقدَّم. فلا يقالُ: "نِعما رجلين خالدٌ وسعيدٌ"، ولا "خالدٌ وسعيدٌ نِعما رجلين".
الثالث: وجوبُ أن يُفسّرَهُ اسمٌ نكرةٌ يُذكرُ بعده منصوباً على التمييز كما قدَّمنا.
   وإذا كان الفاعلُ مُؤنثاً جازَ أن تلحقَ الفعلَ تاءُ التأنيث، سواءٌ أكان مُظهَراً، نحو: "نِعْمت المرأةُ فاطمةُ"، وجاز أن لا تلحقه هذه التاءُ استغناء عنها بتأنيث التمييز المُفسّر، ذَهاباً إلى أن هذه الأفعالَ لما أشبهت الحرفَ في الجمود لزِمت طريقة واحدةً في التعبير، فتقول: "نعمَ المرأةُ فاطمةُ، ونعمَ امرأةً فاطمةُ. ومنه قول الشاعر:
*تَقولُ عِرسِي، وهي لي عَوَمَرهْ: * بِئس امرَأ، وإِنَّني بِئسَ المَرَهْ*
وقول الآخر:
*نِعْمَ الْفتاةُ فَتاةً هِنْدُ، لَوْ بَذَلتْ * رَدَّ التَّحِيةِ نُطْقاً، أو بإِيماءِ*
   وكذا، إذا كان المخصوصُ مؤنثاً، يجوز تذكير الفعلِ وتأنيثُهُ، وإن كان الفاعلُ مُذكراً، فتقولُ: "بِئْسَ أو بِئستِ الشَّرابُ الخمرُ" و "نِعمَ أو نِعمت الثْوابُ الجنّةُ، وعليه قول الشاعر:
*نِعْمَتْ جزاءُ المُتَّقينَ الجنَّهْ * دارُ الأَمانِ والمُنى والمِنَّهْ*


أحكام المخصوص بالمدح والذم


   لا يجوز أن يكون المخصوصُ بالمدح أو الذَّم إلا معرفةً، كما رأيتَ في الأمثلة المتقدمة، أو نكرةً مُفيدةً، نحو: "نِعمَ الرجلهُ رجلٌ يُحاسبُ نفسهُ". ولا يقاله: "نِعْمَ العاملُ رجل"، لعدَم الفائدة.
وهذا المخصوصُ مرفوعٌ أبداً، إما على الابتداءِ، والجملةُ قبلَهُ خبرُهُ، وإما على أنه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ وجوباً، لا يجوزُ ذكرُهُ، ويكونُ التقديرُ في قولك: "نِعمَ الرجلُ زهيرٌ". "نِعمَ الرجلُ هو زهيرٌ".
   (والكلام حينئذ يكون كأنه جواب لسائل سأل: "من هو؟" حين قلت: "نعم الرجل"، فقلت مجيباً: "زهير"، اي: هو زهير. ولا يجوز ذكر هذا المبتدأ، لأنه احد المواضع التي يجب بها حذفه. كما ستعلم في الجزء الثاني من هذا الكتاب).
   وقد يُحذفُ المخصوصُ، إِذا دلَّ عليه دليل، كقوله تعالى: "نِعْمَ العبدُ، إنه أَوَّابٌ"، أي: نعم العبد أيوبُ. وقد عُلم من ذكره قبلُ. وقوله سبحانه: {والأرض فرشاناها، فنعمَ الماهدون"، أي: فنعم الماهدون نحنُ. ومنه قول الشاعر:
*نِعْمَ الفَتى فَجعَتْ به إِخوانَهُ * يومَ البَقيعِ حوادِثُ الأَيَّامِ*
أي: نِعْم الفتى فتى فجعتْ حوادث الأيام به إخوانَهُ يومَ البقيع. فجملةُ "فجعت" في موضع رفعِ صفةٍ لفتًى المحذوف، وهو المخصوصُ المحذوف.
ومن حق المخصوص أن يُجانس الفاعلَ. فإن جاء ليس من جنسه، كان في الكلام مجازٌ بالحذف، كأن تقول: "نِعْمَ عَمَلاً زهيرٌ"، فالكلام على تقدير مُضافٍ نابَ فيه عنه المضافُ إليه، إذ التقديرُ: "نِعمَ عملاً عملُ زهيرٍ"، ومنه قوله تعالى: {ساء مثلاً القومُ الذين كذَّبوا بآياتنا}. والتقديرُ: "ساء مَثلاً مثلُ القومِ".
ويجوز أن يُباشِرَ المخصوصَ، في هذا الباب، نَواسخُ المبتدأ والخبر، سواءٌ أتقدَّم المخصوصُ، نحو: كان زهيرٌ نِعمَ الشاعرُ، ونحو قوله:
*إِنَّ ابنَ عَبدِ الله نِعْمَ * أخُو النَّدَى وابنُ العشيرَهْ*
أم تَأخرَ، نحو: "نِعْم الرجلُ ظننتُ سعيداً"، ومنه قول زهير:


*يَميناً، لنِعْمَ السَّيِّدانِ وُجدْتُما * على كُلِّ حالٍ من سَحيلٍ ومُبرَمِ*
وقول الآخر:
*إِذا أَرسلوني عندَ تَعذيرِ حاجةٍ * أُمارِسُ فيها، كُنتُ نِعْم الْمُمارِسُ*


أحكام التمييز في هذا الباب
يجبُ في تمييز هذا الباب خمسةُ أمور:
   (1) أن يتأخرَ، فلا يُقالُ: "رجلاً نِعْمَ زهيرٌ".

   (2) وقد يتأخرُ عنه نادراً، نحو: "نعم زهيرٌ رجلا".
   (3) أَن يكون مُطابقاً للمخصوص إفراداً وتَثنيةً وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً، نحو: "نِعمَ رجلاً زهيرُ"، ونعمَ رجلينِ زهيرٌ وأخوهُ"، و "نعمَ رجالا أنتمْ"، ونِعمتْ فتاةً فاطمةُ"، و "نعمتْ فتاتَينَ فاطمةُ وسُعادُ"، "ونِعمت فَتَياتٍ المجتهداتُ"، ومن ذلك قولِ الشاعر:
*نِعْمَ امْرأَين حاتمٌ وكَعْبٌ * كِلاهُما غَيْثٌ، وسَيْفٌ عَضْبُ*
   (4) أن يكونَ قابلاً لألْ، لأنه محوَّلٌ عن فاعلٍ مُقترِنٍ بها، كما تقدَّمَ، فإن قلتَ: "نِعمَ رجلاً زهيرٌ"، فالأصلُ: "نعمَ الرجل زهيرٌ". فإن لم يَقبلها: كمِثْلٍ وأيٍّ وغير وأفعلَ في التَّفضيل، فلا يُمَّيزُ به هذا الباب.
   (إذا أريد بأفعل معنى التفضيل فلا يُميز به، فلا يقال: "نعم أَكرم منك خالد"، ولا: "نعمَ أفضل رجل علي"، لانه حينئذ لا يقبل (أل) اذا حوّله فاعلا. أما ان لم يرد به معنى التفضيل، فجائز التعبير به نحو: "نِعْمَ أعلم زهير" اي: نِعْم عالماً زهير" لأنه يصح أن تباشره (أل) في هذه الحالة، فنقول: "نِعْمَ الاعلم زهير").
   (5) أنه لا يجوز حذفُهُ، إذا كان فاعلُ هذه الأفعال ضميراً يعودُ عليه، وقد يُحذَف نادراً: كقولك: "إن قلت كذا فَبِها ونعْمتْ"، أي: "نِعمتْ فِعلةً فعلتُك" ومنه حديثُ: "مَنْ توَضأ يوم الجمعة فَبِها ونِعمتْ"، أي: "فبالسُّنةِ أخذَ، ونِعمت سُنَّةُ الوَضوء".
   أما إن كان فاعله اسماً ظاهراً، فلا يحتاج الكلام إلى ذكر التمييز، نحو: "نعمَ الرجلُ عليٌّ" لأنَّ التمييزَ إنما هو لرفعِ الإبهام، ولا إبهامَ مع الفاعل الظاهر.


   وقد يجتمع التمييز مع الفاعل الظاهر، تأكيداً له، فإنَّ التمييزَ قد يُذكرُ للتأكيد، لا لرفعِ الإبهام، كقول الشاعر: "نِعمَ الفتاةُ فتاةً هند..." (البيتَ السابقَ).
   وقد يُجرُّ التمييزُ، في هذا الباب، بِمنْ كقولِ الشاعر:
*تخَيَّرَهُ، فلم يَعْدِل سِواهُ * فَنعْمَ الْمَرءُ من رجلٍ تِهامِي*
   ومِثله تمييزُ "حَبّذا وحَبَّ"، كقول الشاعر:
*يا حَبَّذا جَبلُ الرَّيانِ من جَبَلٍ * وحبَّذا ساكِنُ الرّيان، مَنْ كانا*


الملحق بنعم وبئس
   قد يجري مَجرى (نِعْمَ وبئسَ) - في إنشاء المدح أو الذمّ - كل فعلٍ ثلاثي مجرَّد، على وزن (فَعُلَ) - المضمومِ العين - على شرط أن يكون صالحاً لأنْ يُبنى منه فعلُ التعجب، نحو: "كرُمَ الفتى زهيرٌ!" و "ولَؤمَ الخائنُ فلانٌ!".
   فإن لم يكن في الأصل على وزن (فَعُلَ)، حوَّلته إليه، لأنَّ هذا الوزن يَدُلُّ على الخِصال والغرائز التي تستحق المدح أو الذَّم، فتقولُ في المدح من (كتبَ وفهِمَ): "كتُبَ الرجلُ خالدٌ! وفَهُم التلميذُ زهيرٌ!"، وتقول في الذم من "جَهِل وكذَبَ": "جَهُل الفتى فلانٌ! وكذُبَ الرجلُ فلانٌ!".
فإن كان الفعلُ مُعتَلَّ الآخر، مثلُ: "قضى ورمى وغزا ورضِيَ وصَدِي"، قلْتَ آخرَهُ واواً عندَ نقله إلى باب (فَعُلَ)، لتُناسبَ الضمة قَبلها، فتقول: "قضُوَ ورَمُوَ وغَزُوَ ورَضُوَ وصدُوَ":
   وإن كان معتلَّ العين، مثل: "جادَ وسادَ"، بقيَ على حاله، وقُدِّرَ النّقل إلى باب (فَعُلَ)، لأنك لو قلتَ: "جَوُدَ وسَوُد"، لَعادت الواوُ ألفاً، لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها.
   ومن هذا الباب (ساء) - المتقدّمُ ذكرُه مع (نِعْمَ وبِئس) - فإنه لما أُريدَ به معنى (بئس)، حُوّل إلى باب (فَعُلَ) فصار "سَوْاَ"، ثم قُلِبَتِ الواوُ أَلفاً لأنها متحركةٌ مفتوحٌ ما قبلها، فَرَجعَ إلى "ساءَ". وإنما يُذكرُ مع "نِعْمَ وبِئسِ"، لأنهُ يجريّ مَجراهما في كل أمر، يُخالفُهما في حُكم.


   واعلم أنه يجوزُ فيما يجري مَجرى "نِعْمَ وبِئسَ"، سواءٌ أكان مضمون العين أصالةً أو تَحويلاً، أن تَسكُنَ عينُهُ، مثل: "ظَرْفَ وفُهْمَ" وأن تُنقَلَ حركتُها إلى فائِه، نحو: "ظُرْفَ وفُهْمَ"، وعليه قولُ الشاعر:
*لا يَمْنَعُ الناسُ مني ما أرَدْتُ، ولا * أُعطيهِم ما أرادوا! حُسْنَ ذا أدَبا!
   (أي حسن هذا أدباً، فذا: اسم إشارة فاعل. وأدباً تمييز، والواو في قوله: "ولا أعطيهم" واو المعية التي ينتصب الفعل بعدها بأن مضمرة، فأعطيهم منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد واو المعية المسبوقة بنفي. وكان حقه أن يظهر الفتحة على الياء لخفتها لكنه أضمرها ضرورة. يقول: "ما أحسن ان لا يمنع الناس مني ما أردت من مالهم ومعونتهم مع بذلي لهم ما يريدون مني من مال ومعونة". يقول ذلك منكراً على نفسه أن يعينه الناس ولا يعينهم. فحسن: للمدح والتعجب. وأراد بها هنا التعجب الإنكاري. وقيل في معناه: يريد أن يقهر الناس فيمنعهم ما يريدون منه، ولا يستطيعون أن يمنعون ما يريد منهم لعزته وسطوته. وجعل هذا أدباً حسناً. والصواب ما قدمناه، لأن ما قبله من القصيدة يدل على ذلك وهو قوله:
*قَد يَعْلَمُ الناسُ أني من خيارِهم * في الدِّينِ ديناً، وفي أحسابهمْ حَسبَا*
   (واعلم أن الأدب الذى كانت تعرفه العرب: هو ما يحسن من الأخلاق وفعل المكارم؛ كترك السفه، وبذل المجهود، وحسن اللقاء. واصطلح الناس بعد الاسلام بمدة طويلة على أن يسموا العالم بالنحو والشعر وعلوم العرب "أديبا" وأن يسموا هذه العلوم "الأدب". وذلك كلام مولدٌ لم تعرفه العرب بهذا المعنى، لأن هذه العلوم قد حدثت في الاسلام).


   ويُفيدُ ما يجري مجرى "نِعْمَ وبِئسَ" - معَ المدحِ أو الذَّم - التَّعَجُّبَ، ومعنى التعجب فيه قويٌّ ظاهرٌ، كما رأيتَ. حتى إن بعضَ العلماءِ ألحقهُ بباب التعجب. والحقُّ أنه مُلحقٌ بالبابين، لتضمُّنهِ المعنيين، لذلك تجري عليه أحكامُ هذا البابِ وأحكام ذلك من بعض الوجوه.


حكم الملحق بنعم وبئس
   يجري ما يُلحقُ بِنعم وبِئسَ مَجراهما، من حيثُ الجُمودِ وإنِشاء المدحُ والذَّم، (إلا أنهُ يَتضمَّنُ أيضاً معنى التعجب، كما تقدّم)، وكذلك من حيثُ الفاعلِ والمخصوصِ، فيكونُ فاعلهُ، كفاعلهما، إِمّا اسماً ظاهراً مُعرّفاً بألْ نحوُ: "عَقُلَ الفتى زهيرٌ!"، أو مَضافاً إلى مُقترنٍ بها، نحو: قَرُؤ غلامُ الرجل خالدٌ!"، وإما ضميراً مستتراً بنكرةٍ بعدَهُ منصوبة على التمييز، نحو: "هَدُوَ رجلا عليٌّ!"، غير أنَّ فاعله الظاهرَ يُخالفُ فاعلهما الظاهر في أمرين:
   الأول: جوازُ خُلُوِّهِ من (ألْ) نحو: "خطُبَ عليٌّ!" ولا يجوز ذلك في فاعلِ: "نِعْمَ وبِئسَ".
   الثاني: أنه لما أَفادَ فعلهُ - مع المدح أو الذْمّ - التعجُّبَ جاز أن يُجرَّ بكسرةِ باءٍ زائدةٍ تشبيهاً له "بأفعِلْ به" في التعجُّب، نحو: "شَجُع بخالدٍ!". ولا يجوز ذلك في فاعلهما.
   أَما فاعله المَضمَرُ العائدُ على التمييز بعده فَيوافقُ فاعلَها المُضمر في أَنَّ الفعل معه يجوز أن يكون بلفظٍ واحدٍ للجميع، نحو: "المجتهدةُ حسُن فتاةً، والمجتهدانِ حَسُن فَتَييْنِ والمجتهدون حَسُن فِتياناً"، والمجتهداتُ حَسُنَ فتياتٍ". كما تقول: "المجتهدةُ نعمَ فتاةً، والمجتهدانِ نعمَ فتَييْن" الخ.


   ويُخالفُه في جواز أن يكون على وَفقِ ما قبله إفراداً وتثنية وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً، نحو: المجتهدُ حَسُن فتًى، والمجتهدةُ حَسُنتْ فتاةً، والمجتهدانِ حَسُنا فَتَييْنِ والمجتهدونَ حَسنُوا فِتياناً، والمجتهداتُ حَسُنَ فَتياتٍ". ولا يجوز في "نعم وبئس" إلا أن يكونا بلفظٍ واحد، وذلك بأن يكون فاعلهما المَمضمرُ مفرداً عائداً على التمييز بعده إلا ما كان من جواز تأنيثه، اذا عاد على مؤنثٍ، كما تقدَّم


جميع النصوص